السبت، 7 يوليو 2018

دورة المفاهيم القرآنية - المستوى الأول

أولاً : مقدمة 
1- المفاهيم القرآنية هي الثقافة الأساسية التي يفهم من خلالها القارئ مواضيع القرآن المختلفة. 
2- كثير من المفاهيم تبدل معناها وانزاحت عن موقعها الصحيح، وتراجعت قيمتها،  فلم يعد المعنى الحقيقي قائمًا ولم تعد قيمتها حاضرة. هذه الدورة تحاول أن تعيد لهذه المفاهيم موقعها وقيمتها ومكانتها في الدين، ولو في جزء يسير وبصورة مختصرة جداً.
3- من المفاهيم الخاطئة التي سيطرت على أهل القرآن هي أنه قد ضمن الحقيقة بمجرد الانتماء إلى فئة الحق، وأن الجهد الذي يبذله هذا المؤمن في فهم كتاب الله إنما هو جهد تطوعي، والحقيقة أن القرآن يوجب على المؤمن التفكر ويحاسبه على قراراته،  وليس للمؤمن ميزة على تمسكه بشيء هو لا يعلم عنه ولم يكسبه من خلال إعمال العقل.
4- الأساس في التعلم هو أن يكون المؤمن على بصيرة : "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن" . إذًا الدعوة إلى الله يجب أن تكون على بصيرة ومن يستقبلها يجب أن يكون على بصيرة أيضاً. 
5- هدفنا في هذه الدورة هو أن يتعرف المتدرب على العناوين الأساسية في الإيمان وفي القرآن، وله الحق أن يسأل وله الحق أن يناقش من أجل أن يقبل بقناعة تامة وليس بمجرد اكتساب معلومة أو معرفة، بل نحن نطالبه في هذه الدورة على التعرف على الحقيقة بنفسه ومن أن يتحقق، لذا وقبل أن نبدأ في الحديث عن المفهوم ، هناك فقرة الحديث عن الدلالات اللغوية للكلمة وكيف استخدمها القرآن وفي هذه الفقرة على المتدرب أن يتحقق بنفسه على صدق المفهوم من خلال اطلاعه الشخصي ومن خلال مقارنته وتفكيره.
6- هنا نشر لجزء من الدورة التي تكونت من ثلاث فقرات، الفقرة الأولى كانت تتعلق بالدلالات اللغوية، الفقرة الثانية هي الحديث عن المفهوم القرآني، والفقرة الثالثة هي فقرة الحوار، وفي يلي نشر لفقرة المفاهيم القرآنية.
7- تشتمل الحلقات التالية على فقرة بعنوان: "إثراء"، والهدف منها التحقق من فهم المتابع لكل حلقة، حيث من المفترض أن يدوّن المتدرب أهم العناوين المذكورة في الحلقة، ثم يحاول الإجابة.


ثانياً: الدورة 

                                    
                                                   1-الاتباع 

آية
﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ الزمر (18)
مقدمة: الأساس في الاتباع هو للحقيقة، والقرآن يريد من المؤمن أن يستمع ثم يفكر فيما استمع إليه ثم يتبع الأحسن.


إثــــــــــــــراء
1- حول آية (80) من سورة الزمر، على ماذا ترتكز  الآية في موضوعها على القول أم القائل؟ 
2- هل هناك إشارة للقائل ؟ ما هو صنفه ؟ أو ماهو  انتماؤه؟
3- هل يمكن للمؤمن أن يأخذ الحقائق بلا تأمل وبلا تفكير؟


2- القراءة

آية
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ سورة العلق(1)
مقدمة: أوجب الله سبحانه وتعالى قراءة القرآن، فهل نقرأه لكي نتبرك به فقط أم  من أجل أن نفهمه ونطبقه؟ القراءة تعني التفكير والقدرة على التحليل واتخاذ القرار.


إثــــــــــــــراء
1- في آية (1) من سورة العلق، هل أمر القراءة  مقتصر على شخص النبي محمد (ص)؟
2- وماذا يعني أن يكون المؤمن قارءًا لكتاب الله؟
3- وهل لهذا الأمر علاقة بالإيمان ؟



3- الــمـلـة

آية
﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ سورة النحل (123)
مقدمة: أوحى الله سبحانه وتعالى إلى النبي محمد (ص) أن يتبع ملة إبراهيم، ونحن مأمورون أن نتبعها أيضًا، وهذا يدل دلالة واضحة على أهمية وأصالة هذه الملة، وأن أصل الدين يعود لعهد النبي إبراهيم (ع).


إثــــــــــــــراء
1- في آية (123) من سورة النحل، هل الآية محصورة في شخص النبي محمد فقط (ص)؟
2- ما هي الملة ؟ وكيف يمكن أن نتبعها نحن ؟


4- الـشـرك

آية
﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ سورة الأنعام (121)
مقدمة: الحكم هو حق لصاحب الملك وليس لأي أحد غيره، فإذا سمحنا لأحد آخر أن يحكم معه في ملكه فكأننا قد أقررنا بأنه شريك له في مملكته.


إثــــــــــــــراء
1- في آية (121) من سورة الأنعام، متى يقع المؤمن في الشرك ؟
2- ما هي مسؤولية المؤمن تجاه ما يرده من أحكام تخالف ما يعلمه من كتاب الله؟



5- الطاغوت
آية
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً سورة النساء (60)
مقدمة: الإيمان التام هو إيمان بالله وكفر بالطاغوت، إيمان بما أنزل الله في الكتاب، وكفر بالطاغوت الذي يتزعم الحكم في قبال حكم الله النازل في كتبه.


إثــــــــــــــراء
1- في آية (60) من سورة النساء، هل للطاغوت علاقة بما أنزل الله ؟
2- هل للطاغوت علاقة بالتحاكم لغير الله؟
3- كيف يمكن للمؤمن أن يجتنب الطاغوت ؟



6- الرسول

آية
﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
سورة المائدة (43)
مقدمة: الرسول هو مبلغ رسالة الله إلى الناس، لكنه لا يبلّغ دعاء الناس إلى الله، لأن العلاقة بين الناس وبين الله هي علاقة مباشرة. الرسول مبلّغ لكلمات الله التي هي أوامره ونواهيه وحقيقة ما يريده الله منهم و هو موصل باتجاه واحد فقط.


إثــــــــــــــراء
1- في آية (43) من سورة النساء ، هل يختلف حكم الرسول عن حكم الرسالة؟
2- كيف يمكن أن نحدد مفهوم الكفر بالرسول؟
3- هل يفرق القرآن الكريم بين الرسول والرسالة؟
4- لو لم تكن هناك رسالة، هل يكون هناك رسول ؟



7-  الأمنيات

آية
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ سورة البقرة (111)
مقدمة: دخول الجنة بالعمل وجهاد النفس وإصلاحها، ولا يدخل المؤمن بالاعتقاد أن الله يحب طائفته وأنه سيدخل الجنة بالإنتماء.


إثــــــــــــــراء
1- في آية (111) من سورة البقرة ، هل قبل الله من اليهود والنصارى اعتقادهم بانحصار الجنة على طائفتهم؟
2- ما سبب وقوع المؤمن في هذا المعتقد حسب الآية ؟
3- لماذا ينفي بعض من أهل الكتاب حسب الآية أن يدخل الجنة غيرهم ؟



8-  القسط

آية
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
سورة آل عمران (18)
مقدمة:  خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض بالحق ولم يخلقها عبثًا ، وسيحاسب الناس يوم القيامة على أساس أعمالهم وحقيقة مافي صدورهم ولا ميزة لأحد على أحد آخر ، وسيوفي الله كل إنسان بما يستحقه يوم القيامة.



إثــــــــــــــراء
1- في آية (18) من سورة آل عمران، هل هناك من يؤمن بالله، ولكنه يعتقد أن الله سيعامل الناس بغير القسط؟ 
2- هل تقبل الآية أن يؤمن المؤمن بالله بغير عقيدة "القسط الرباني"؟
3- هل تجد لهذه العقيدة علاقة بعقيدة الأمنيات ؟



9-  الإيمان

آية
﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ   سورة البقرة (285)
مقدمة:  الإيمان بالله هو إيمان بمجموعة من المعتقدات، وهي الإيمان  بالملائكة وبالكتب السماوية  وبالرسل.


إثــــــــــــــراء
1- ما موقع الإيمان بالكتاب من الإيمان بالله ؟
2- هل هناك علاقة بين الإيمان بالكتب والقراءة؟
3- هل هناك علاقة بين الإيمان بالكتب والحرية؟
4- كيف تصف العلاقة بين الإيمان بالكتب السماوية والملائكة والرسل ؟



10 - الإسلام

آية
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ سورة آل عمران (102)
مقدمة:  الإسلام هو صفة يكتسبها المؤمن نتيجة لتطبيقه أوامر الله المنزلة في الكتب السماوية، وليس مجرد اسم انتساب لجماعة.


إثــــــــــــــراء
1- في آية (102) من سورة آل عمران، هل هناك علاقة بين الإسلام والتقوى؟
2- هل تجد علاقة بين الإسلام وآيات الله؟
3- كيف يمكن أن تربط المفاهيم السابقة في هذه الدورة بالإسلام؟

السبت، 28 أبريل 2018

ملة إبراهيم - الحلقة الحادية عشر – سبيل الله


توصي الوصية العاشرة من وصايا ملة إبراهيم (ع) باجتناب التفرق عن سبيل الله البيّن الواضح في كلماته (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[1] والتفرق عن سبيل الله هو ابتعاد وتفرق عن كتاب الله، فما الذي يضطر الأمم للتفرق عن هذا السبيل والابتعاد عن هذه الكلمات؟
تتفرق الأمم عن سبيل الله حين تضطر للملاءمة بين علوها الذي تنصه كتب أخرى، وبين القسط الذي يتحدث عنه كتاب الله، وتلك الملاءمة هي تغاضٍ على حساب القسط وتسامح تتسلل من تحت عباءته أحكام مضافة وعقائدُ مبتدعة لا تجد من ينكرها ويخرجها من حظيرة الملة. الآية عندما تقول "لا تتبعوا السبل" فلمعرفتها بضعف إرادة الإنسان أمام موروثه، وبتأثره بالواقع والتيارات الجارفة، ولتحذر أتباع الملة من الانجرار وراء السبل ونسيان سبيل الله تمشياً مع الطبيعة البشرية في الأنس بالسلوك الجمعي والخوف من التفكير مفرداً والخروج عن المألوف. فللمألوف هيمنته التي تتغلغل في عمق وجدان الأمة، خصوصاً إذا طال عليها الزمن وابتعدت عن أصل مَنشئها، وتحُول تلك الهيمنة بين الأمة وبين نصها الأصلي "سبيل الله" لترى نفسها مضطرة لأدلجة الواقع وشرعنته فتسعى جاهدةً للبحث عن أدلة تثبت ماهي عليه لا عن الحقيقة بذاتها من "سبيل الله". تعاقب القرون والأجيال ينشيء عند الأمة الجمود والرهبة من أن تكسر الصندوق المعتم الذي نشأت فيه والذي يشعر كل فرد من أفرادها بأمان الانتماء، لا بأمان الله. ووصيتنا العاشرة في ملة ابراهيم تنص على وجوب تثبيت الأصل بكلمات الله واعتبارها السبيل الوحيد محذرة من اتباع سبل أخرى. وهو الأمر ذاته الذي تتحدث عنه آيات أخر واصفة ذلك السبيل وتلك الكلماتِ الربانية بالحبل الممدود من السماء إلى الأرض  (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)[5]
لقد مد الله سبحانه بكلماته المُنزلة حبلاً متيناً هو العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ولأن كلماته واحدة وسنته واحدة فحبله واحد، يجسدها النبي المرسل في أفعاله كأول المسلمين لها، ويخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)[2] هذه هي حقيقة الرسول وهذه مضامين أقواله التي يحفظها الكتاب. لكن هناك صورة أخرى كان من المفترض على الأحزاب المتفرقة عن ملة إبراهيم أن تعتبرها صورة كاذبة مزيفة حين تعرضها على كتبها السماوية، صورة تبتعد عن حبل الله مسافة تجعل من الرسول مؤسساً لحبل آخر غير حبل الله بكلمات أخرى هي غير كلمات الله، وهكذا فكل أمة لديها من الأقوال ما يكفي لأن تبتعد عن هذا الحبل الممدود، ولديها من الامتيازات العقدية ما يبعد بعضها عن بعض، لأنها تتحرك باتجاهات متعددة مختلفة ومتشتتة. يقول الله سبحانه عن الرسول مبيناً صورة الرسول الحقيقية (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)[3]. إذاً الآية تبين للناس أن الرسول الذي يجب أن تؤمنوا به يؤمن بكلمات الله ومتعلق بها كما يتعلق الغريق بحبل النجاة، ولا يأتي من عنده بشرع جديد ولا يؤسس أمة جديدة تبتعد عن حبل الله وعن ملة إبراهيم، فالرسل جمعاء أمة واحدة ومعتصمون بحبل واحد. ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)[4].
إن أمم ملة إبراهيم تتقارب بالاعتصام بحبل الله، والاعتصام بالشيء لا يكون بالعض عليه بالنواجذ وحسب بل وبالامتناع عن غيره، وهذا الاعتصام لا يكون إلا بالامتثال بوصية "عدم التفرق عن سبيله" التي تحذر من حبال أخرى مزورة تفتن الناس لتخطفهم ثم تفرقهم عما جمعهم الله عليه.  
لقد أنهت ملة إبراهيم وصاياها العشر بوصية تغلق الباب أمام الكلمات الدخيلة وتأمرنا أن نؤمن جميعاً بوحدة الكلمة، فبوحدتها تتحد الرسل، وبوحدة الرسل تتحد الأمم التابعة لهم،  وتضمحل بقية الكلمات وتتلاشى الحبال الأخرى التي تنافس حبل الله وتعود أمة إبراهيم أمة واحدة برب واحد.
ــــــــــــــــــــــــــــ
[1] سورة الأنعام (153)
[2] سورة الزمر (13)
[3] سورة الأعراف (158)
[4] سورة المؤمنون (52)
[5] سورة آل عمران (103).


نشر في :
1- صحيفة الوطن العمانية - ص 21
2- جهينة الإخبارية 

الجمعة، 24 نوفمبر 2017

ملة إبراهيم - الحلقة العاشرة - الإيمان بالكتب


























للإيمان بالرسل إيماناً تاماً دون تفريق علاقة وطيدة بالإيمان بالكتاب، فالتفريق بين الرسل وتمزيق مشروعها الموحد إلى مشاريع متفرقة هو مدعاة للكفر ببعض الكتاب، ولا أدل على ذلك من صورة الالتحام للرسول بالكتاب لفظاً ومعنىً في مواطن عدة في كتاب الله، فعلاقة الرسول والكتاب هي علاقة تطابق يحفظ فيها الكتاب بين دفتيه شكل الرسول ومضمونه وأقواله حفظاً يتعذر فيه خطف الرسول إلى جهات أخرى غير الله. وبهذا الالتحام يمكننا أن نفهم ماذا يعني التفريق بين الرسل وما انعكاس ذلك على الإيمان بالكتب ”كل الكتب“.
التفريق بين الرسل وتقطيعها زبراً بين الأحزاب يقود إلى التفريق بين الكتب السماوية التي يأمر الله سبحانه وتعالى أن نؤمن بها كاملة مقيدة بشرط الوحدة. ذلك بأن الطوائف التي انحرفت عن الملة إلى بعض أهوائها لم تتمكن من ذلك إلا حين خطفت رسولها من طابور الأنبياء وأخرجته من ذلك الإصطفاف الطبيعي ورسمت لها خارطة جديدة تعزز من كيانها كأمة ممتازة عن بقية الأمم بما نسبته من أقوال مزعومة لذلك الرسول المخطوف. وهذا حتماً لا يكون إلا حين توفق تلك الأحزاب بين الكتاب الذي تدعي أنها مؤمنة به وبين ما هي عليه من حزبية وطائفية وتعال، لأنها مالت عن كتاب الله إلى غيره، والمشكلة أن ذلك الغير جاء مقنعاً بقناع الرسول مختوماً بختم له مزور، أنه قال لكنه لم يقل، وبتلك الأقوال يفرق أهل الغلو والعلو بين هذا الرسول وبين بقية الرسل، فيخرج من أمته الواحدة، ويفرق بينه وبين الله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً[1] 
إذاً ما تبقى لهؤلاء هو بقية باقية من الإيمان بالكتاب، فجل إيمانهم خطفته أقوال مزورة جعلت من الرسول نداً لله لا مطيعاً مسلماً لكلماته، ولم تستطع كلمات الله البيّنة أن تنزع منهم شيئاً مما تشربته قلوبهم من كلمات ما أنزل الله بها من سلطان. ولكي يُبقوا تلك البقية الباقية من إيمانهم بالكتاب تعزيزاً للتبرير وإسكاتاً للضمير اتخذوا بين ذلك سبيلاً، سبيل يوفق بين ما وجدوا عليه آباءهم وبين ما يفرضه الكتاب من حقائق إيمانية تنافي ماهم عليه. والآية فاضحة كاشفة بأن ما هم عليه هو إيمان مزور لا حقيقي وأنه لا إيمان مجزء للكتاب، ولا إيمان لمن يفرق بين الله ورسله ويبتعد بكلمات مزورة عن كلمات الله، ولا مصداقية لمن يناهض مشروع الكتاب بمشروع آخر مزيف باسم الرسول، يفرق به بين الأمم ويستبدل القسط الرباني بالحيف لصالح أمة لتكون هي أربى من بقية الأمم.
﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً «*» وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً[2] 
وما قد نلاحظه في تتمة الآيات هو وجود عبارة ”التفريق بين الرسل“ كبديل عن عبارة ”التفريق بين الله ورسله“ التي وردت في الآية السابقة «150»، وما تغيير اللفظ هذا إلا تأكيد على التطابق في المضمون والنتيجة، فالتفريق بين الله ورسله يكون بعدم تطابق الأقوال المزعومة لرسول كل طائفة مع أقوال الله في كتبه، وهذا ينعكس في جانب آخر على عدم تطابق الأقوال بين ذلك الرسول مع بقية الرسل، فكل أمة خطفت رسولها إلى جانبها، وأبعدته عن حبل الله الممدود إلى حبل آخر هي تريده.
الإيمان بالكتب هو التصديق بها، ولقد اشترطت ديباجة سورة البقرة المباركة أن يكون إيمان المؤمن بالكتب السماوية كلها فضلاً عن الإيمان بما أنزل على النبي محمد ﷺ، ومطلب الإيمان بجملة الكتب هذا يعكس جانباً هاماً وهو الإيمان بوحدة هدف الرسل وإن تعددت أدوارهم، وهو إيمان بتطابق الرسالات مع بعضها البعض، وتطابق أقوال الرسل مع ما ورد في الكتاب، وأن أي إخلال في هذا التطابق هو إخلال بحقيقة الإيمان الذي لايمكن له أن يتجزأ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]  سورة النساء «150»
[2]  سورة النساء «151» - «152»

نشر في
جريدة الوطن - ص 21
جهينة الإخبارية 
قطيف اليوم

الجمعة، 10 نوفمبر 2017

ملة إبراهيم - الحلقة التاسعة - التفريق بين الرسل




جعل الله سبحانه وتعالى ملة إبراهيم على ركائز بيّنة، وجعل إمامته نقطة ثابتة لانطلاق تسلسل الأنبياء والرسل من بعده، لترتسم خارطة الأنبياء بصورة تستعصي على التحريف فلا يسبقه إلى هذه الإمامة الثابتة أحد. فوجوده  في طليعة طابور الأئمة والمرسلين يقطع الطريق أمام المخسرين في الميزان الراغبين في فرض إمامٍ غيره حسب الأهواء. ولقد بينت الآيات القرآنية هذا الأمر في مواضع عدة، وأكدت عليه تحت عنوان ”التفريق بين الرسل“ والذي يعني في إحدى صوره تغييب دور إمامة إبراهيم، واحتلال هذا الموقع لصالح نبي أو رسول آخر لدواعي طائفية ومن أجل إعلاء أمة على أخرى. يقول الله سبحانه وتعالى عن طائفتين في زمن الرسالة كان من المفترض أن تكونا على ملة إبراهيم ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ[1] ، كان النبي محمد ﷺ يدعو إلى الملة ويعيد الناس إلى حقيقة ما كان عليه إبراهيم، داحضاً الافتراءات ومصححا الانحرافات بآيات بينات من الذكر الحكيم. لقد كان الرد على دعاوى النجاة بالانتماء إلى اليهودية والنصرانية هو العمل بملة إبراهيم، وتمام ذلك الرد هو بإعادة ترتيب الأنبياء في خارطة الرسل تبعاً لتسلسلهم في الملة ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[2] .
الآية الشريفة تأمر كل الطوائف أن يقروا بالإيمان بما أُنزل إلى النبي محمد ﷺ وما أنزل إلى نبي الله إبراهيم ، وما أنزل على فرعيه من أبناء العهد وأئمة الملة إسماعيل وإسحاق ومن بعد إسحاق يعقوب، ثم على ما أُنزل على فرع الملة الإسرائيلي «أبناء يعقوب» من كتب سماوية على موسى وعيسى عليهما السلام. بعد ذلك تكمل الآية ما يجب على المسلم المتبع للملة الإيمان به بأن ”لا نفرق بين أحد منهم“ الأمر الذي يضيف إلى الإيمان بأولئك الرسل عقيدة حماية هي الحفاظ على الترتيب والتسلسل الوظيفي لأنبياء الملة دون إخلال في هذا النظام. وحسب مقدمة الآية كان من المتوقع أن تكون خاتمتها ”لا نفرق بين كتبهم“ لأنها ذَكرت ما أُنزل على كل رسول، ولكنها ختمت بأنه لا تفريق بين الرسل، وفي هذا التحام في المضمون بين كتب الله وبين رسله، حيث يتماهى الاثنان ليشكلا وجهين لحقيقة واحدة هي الرسالة الربانية، فالرسول يعني الكتاب والكتاب يعني الرسول. ولهذا المعنى ارتداداته لتصحيح العقيدة، فالانحرافات عن أصل الملة كانت عن الكتاب باستغلال تلك الطوائف المتطرفة والمنشقة لأسماء الرسل بعد وفاتهم، فكل طائفة تغالي في رسولها وتنسب له مقولات تخالف أصل الملة وتحرفها عن الجادة. الآية الشريفة وأمثالها تقول لهذا التحزب: لا يمكن أن ينفك الرسول عن الرسالة ولا يمكن أن يكون للرسول موقف مخالف لأقوال الله في كتبه. ما يفعله الذين انشقوا عن أصل الملة إنما اتبعوا اقوالاً ظنية وابتدعوا طريقاً يدّعون فيه أن الرسول الذي يؤمنون بدعوته قد خطه لهم، لكن حقيقة الرسول خلاف ذلك وحقيقتهم هي ما تعبر عنها آية تالية لهذه الآية التي نتأملها هنا، وهي أنهم انشقوا عن الملة واتخذوا سبيلاً آخر ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[3] ، فإن آمنوا بكل الرسل بأنهم على نهج واحد دون أن يفرقوا بين أحد منهم فيما يقول وفيما يشرع فقد اهتدوا، وإن تولوا عن هذا الإيمان فاعلم إنما هم منشقون عن أصل الملة وإن ادعوا أنهم مؤمنون بها.
يمكننا أن نلحظ أن التفريق بين الرسل يكون على مستويين، الأول في الأقوال، والثاني في الوظيفة والمقام، الأول يكون حين ينسب للرسول ما لم يقله مما يخالف أصل الملة وركائزها الأساسية، وأما الثاني فهو بالغلو في ذات الرسول والإخلال بموقعه الحقيقي في خارطة الأنبياء إذ يتحول ذلك النبي الكريم من فرع تابع إلى أصل متبوع، ومن إمام مؤقت إلى إمام مؤسس ليأخذ بذلك مقام الخلة والثبات الذي يتبوأه ”كمقام وظيفي“ إمام المسلمين إبراهيم. إن الغلو في الأنبياء حولهم إلى أصول مختلفة متفرقة يرجع إليهم الجميع حتى نبي الله إبراهيم الذي سبق وأسس، وفي ذلك إسفاف واضح ومخالفة للمنطق لا يقبلها إلا المغالي الذي يميل كل الميل إلى معتقداته والذي يبتعد كل البعد عن أصل الملة.
خارطة الأنبياء التي تفرضها الآيات توحّد أقوال الأنبياء لترفض كل قول ظني متطرف شاذ عن الأصل، وتضع كل نبي في موقعه الزماني الصحيح ضمن قاعدة التابع والمتبوع، أما مقام إبراهيم فهو الطليعة كإمام متبوع للمسلمين، وكميزان يكشف المنشقين عن ملته بالغلو والطائفية. 
هوامش
[1]  سورة البقرة. «135»
[2]  سورة البقرة «136»
[3]  سورة البقرة «137»


نشر في
جريدة الوطن - العدد 12502 -  صفحة 21
جهينة الإخبارية 
القطيف اليوم

الجمعة، 3 نوفمبر 2017

ملة إبراهيم - الحلقة الثامنة - أبناء العهد



يقول الله سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ «*» فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ[1] ، الاعتقاد السائد في زمن النبي محمد ﷺ أن الرسل الذين سبقوا كانوا يمثلون أئمة مختلفين لأمم مختلفة عن بعضها البعض، والآية الشريفة تنقض هذا الاعتقاد الذي تسبب في تفريق الدين وتؤكد الحقيقة أن أمة الرسل أمة واحدة وليست عدة أمم كما تتصورون، ذلك لأن مرجعيتها ملة واحدة. فإذا كان الأصل واحداً وجب أن تكونوا على ملة واحدة وعلى شرع واحد. جاءت اليهودية ببعثة نبي الله موسى ، جاءت النصرانية ببعثة نبي الله عيسى ، وكلاهما دعا للملة نفسها التي جاء بها أبوهما وإمام الجميع إبراهيم .
لأبناء إبراهيم مع الدين حكاية، بدايتها منذ العهد الأول ومنذ اللحظة الأولى التي عهد الله فيها لإبراهيم بالإمامة، يقول تعالى ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[2] ، ومن هنا بدأت الحكاية، حين سعى هذا الإمام بكل عزيمة لإعادة ملامح الدين إلى الحياة مرة أخرى، فكان أن ابتلاه الله بكلمات، تلك الكلمات امتحنت ثباته على طلب الدين والسير على نهجه، فأخذت منه ما أخذت من الصبر حتى أتمها خلال مدة زمنية ليست بالقصيرة، فكان ساعياً في أمر الله، ولا يُؤمر بأمر حتى يسارع في تنفيذه بلا تراجع، فاستحق بذلك السعي وذلك التأسيس أن يكون إماماً للناس عبر العصور. وحين العهد طلب إبراهيم الخليل من الرب الرحيم أن تكون الإمامة من بعده في ذريته «ومن ذريتي»؟ حتى يضمن للدين ديمومته عبر العصور، فاستجاب الله له ذلك باستثناء ”لا ينال عهدي الظالمين“.
الإمامة هي ركيزة من ركائز الملة الثلاث، وكمال الملة ببقية عناصرها وهي البيت والكتاب، فلا إمامة من دون قبلة واتجاه، ولا إمامة من دون كتاب رباني يحمل أوامر الله وشرائعه، وأن يعهد الله سبحانه وتعالى الإمامة لأحد فلابد وأن يكون معترفاً بعناصر الملة المكانية والدستورية أولاً، فلا يظلم بتبديل تلك الأساسيات من أجل أن يؤتيه الله الكتاب إيتاء معرفة ودراية وكشف للحقائق، فإن أوتي الكتاب ثم بلغ بعزيمته عزيمة المتحرك المتحمل للمسؤولية بلغ بذلك مرتبة الإمامة لقيادة التغيير، فالإمامة تعهد لمن يكون حاملاً لكلمات الله متحملاً مسؤولية تبليغها للناس، وعلى هذا الأساس أُبرم العهد بين إبراهيم وربه، على أن يتعهد الأبناء بعدم الظلم، فيعهد الله سبحانه وتعالى لهم الكتاب بإيتائه لهم، ليحملوه نوراً يستضاء به عبر الأجيال ولكافة الناس، وهذا ما حدا بنبي الله إبراهيم بأن يؤكد على أبنائه حين الموت ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[3] . آية ”لا ينال عهدي الظالمين“ إذاً تتحدث عن مشروع كبير طويل الأمد يمتد إلى آلاف السنين، مشروع يضمن بقاء الدين بجميع ملامحه الحقيقية في عهدة أبناء إبراهيم حفظاً ورعاية وتطبيقاً، مشروع يحفظ العنصر المكاني وهو الكعبة كقبلة وشعار بيّن لله مشهور بين الناس. وببقاء تلك العناصر تكون الحجة قد اكتملت، والطريق إلى الله اتضح لكل سالك يبحث عن الحقيقة، ليجدها ماثلة أمامه هاهنا.
لقد كانت نظرة نبي الله إبراهيم تتجاوز الأفق، وحلمه يتجاوز الزمان، فكان يدعو الله ببعثة رسول من ولده من بعده يحمل شعلة الإيمان للناس يوقد جذوتها بصلاته من وحي السماء لا يستضيء بغيرها، شعلة وقادة لا تطفئها أفواه المشركين. وكما وطن نفسه لخدمة هذا الهدف، دعا الله أن يأتي من صلبه من يحمل اسمه وينتسب إليه نهجاً وعقيدة. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «*» رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «*» رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[4] 
هكذا بدأت الإمامة بجهاد الإمام الأول ورافع قواعد البيت ومؤسس الملة نبي الله ابراهيم ، ثم تواصلت على يد أبنائه من بعده. النبي الإمام إبراهيم هو الذي أسس الملة بعد ضياعها بسبب ظلم الناس في تلك الأزمنة، وهو من أذن في الناس، وهو الذي وصى أبناءه من بعده بالتمسك بالملة وهو الذي جعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم إليه يرجعون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]  سورة المؤمنون «52»، «53».

[2]  سورة البقرة «124»

[3]  سورة البقرة «127» - «129»

[4]  سورة البقرة «130» - «132»

نشر في :
الوطن العمانية - عدد 12495 - صفحة 21
جهينة الإخبارية 
القطيف اليوم

الجمعة، 15 سبتمبر 2017

تدبر القرآن الكريم



الحلقة الأولى : التدبر خارج إطار التفسير 



ما معنى كلمة تفسير ؟
التفسير هو إزالة الإبهام، وشرح ما انطوت عليه ظاهرة ما من أسباب؟ وقد يشمل بعض الأحيان إيضاح المعاني. تفسير الظواهر هي وظيفة العلماء الذين يسبرون أغوار العلم من أجل إيضاح الأسباب التي لا يمكننا أن نفهمها بشكل بسيط، لنأخذ لذلك مثالاً :
مثال1 : عندما تكون أيدينا مبتلة بالماء ونعرضها للهواء فترة، يختفي الماء وتجف! هذه ظاهرة، وهذه الظاهرة تثير المراقب بالأسئلة: أين اختفى الماء ؟ ما تفسير هذه الظاهرة ؟ ما سبب اختفاء الماء ؟ يأت العلم ليفسر تلك الظاهرة ويعطيها إسماً وهو التبخر .
مثال2 : وبالمثل يمكننا أن نتساءل عن ظواهر أخرى كثيرة مثل اختفاء قرص الشمس بدائرة تكاد تنطبق عليها، لنتساءل كيف حصل هذا؟ وما أسبابه؟ فيأتي الجواب من العلماء بأن هذا هو كسوف الشمس، فنقول أن كسوف الشمس هي ظاهرة فلكية تحدث عندما تكون الأرض والقمر والشمس على استقامة واحدة. وبالمثل نتساءل عن سبب الزلزال وهو تحرك الصفائح، وعن نمو النبات وهو التمثيل الضوئي أو البناء الضوئي، أو تفسير نمو الإنسان هو التنفس الخلوي. كل هذه تفسيرات، ولكل مسمى من هذه المسميات تفصيلات تبين سبب تلك الظاهرة. ولا يستطيع أن يجيب عن تلك الظاهرة بشكل موثوق إلا مختص مطلع ومضطلع في مجاله.
تفسير القرآن الكريم
بالمثل نريد أن نؤكد أن تفسير القرآن الكريم هو علم مستقل بذاته كبقية العلوم يتناوله مختص في اللغة وعارف ببلاغتها، وعالم في مجالات أخرى حتى يتمكن من تفسير ظاهرة القرآن الكريم وظواهر آياته الشريفة، وإيضاح أسبابها اللغوية والبلاغية، فإيضاح الأسباب يسمى تفسيراً.
مثال : في قوله تعالى ﴿ الم ۝ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، قد نتساءل: لماذا رفعت كلمة ( الكتاب ) بالضمة الظاهرة في الآية من سورة البقرة؟ الإجابة يدلي بها أرباب اللغة المختصون وهو أن "الكتاب" بدل من اسم الإشارة مرفوع، ويجوز إعرابه خبراً لاسم الإشارة. هكذا فسّرنا لغوياً لماذا ظهرت الضمة آخر كلمة الكتاب؟ وبنفس الطريقة يمكننا أن نفسر بقية الظواهر القرآنية: مثل البيان اللغوي والبلاغة، وسبب التقديم  والتأخير في بعض الكلمات، والظروف التاريخية التي صاحبت نزول تلك الآيات الشريفة إلى آخره.
مثال:
(إياك نعبد وإياك نستعين)
كيف قدم العبادة على الاستعانة؟ والاستعانة مقدمة، لأن العبد يستعين بالله على العبادة فيعينه الله تعالى عليها!
يجيب أحد مختصين اللغة والبلاغة : الواو تدل على الترتيب، أو المراد بهذه العبادة هو التوحيد، وهو مقدم على الاستعانة على أداء سائر العبادات، فإن لم يكن موحداً لا يطلب الإعانة على أداء العبادات.
ولكن :

 وجود علماء مختصون في هذا المجال لا ينفي أبداً وجوب تدبر القرآن الكريم من قبل غير المختص، فتفسير القرآن شيء، وتدبره شيء آخر.  فحصر التفسير عند طبقة معنية من المختصين لا يعني أبداً حصر القرآن وإهماله على الأرفف، وهجره والصد عنه والإعراض عن آياته، فكل ذلك مرفوض بصريح القرآن الكريم، يبقى ما هو واجب على كل مؤمن وهو قراءة القرآن بتدبر ،  والتدبر  هو موضوع قائم على الميسر من الفهم، وترك ما يحتاج إلى مختصين، فالإنسان سيحاسب على إهماله للقرآن، وسيحاسب على ما يصله من فهم على قدر ما يعلم وهذا هو المطلوب. 

التدبر
هو عكس التقدم، التقدم هو تلاوة الآيات باتجاه الأمام ، أما التدبر فهو الرجوع إلى البداية ( بداية مقطع الآيات ) بعد الوصول إلى نهايتها، وهذا يعني إرجاع القول إلى بعضه البعض فلا نفهم الآية مقطوعة، ولكن لابد من فهمها من خلال الموضوع الذي وجدت فيه.
النتيجة:
التدبر يعني عدم اقتطاع الآية من النص التي احتواها، والالتزام بالموضوع، وعدم التعجل في الفهم.

مثال : قصة البقرة
في الآيات من آية ( 67 ) إلى آية ( 76) ، بدأت الآيات بقول نبي الله موسى (ع) لقومه " إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " دون أن يعلم القارئ ما سبب هذا الأمر؟ وما هدفه ؟ وبعد الحوار الذي دار بين بني إسرائيل ونبي الله موسى، وفي آية ( 72) يتضح السبب، وهو أنهم قتلوا نفساً، ومن أجل التحقق من القاتل أمر الله أن يذبحوا بقرة فيضربوا المقتول ببعضها فيعود للحياة ليشير للقاتل.
كثير من الآيات في القرآن الكريم، من أجل أن تفهم يجب أن توضع في إطارها الكامل غير المنقوص، واقتطاع الآية من مجموعة الآيات قد يؤدي إلى إساءة فهمها، ويفتح الباب أمام تأويلات لا تقصدها أصل الآية. لذا على المتدبر للقرآن أن يبدأ في التقرب للآيات كمقاطع آيات تحمل موضوعاً واحداً من أجل فهم الموضوع والتمسك به لفهم جزيئيات هذا المقطع.


الحلقة الثانية : منهجية التدبر


الحلقة الثالثة: اشتراطات التدبر